الحسن الهمداني ( ابن الحائك )

17

الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير

فيجيبني في حسرة وأسف أنه مبعثر في الخزائن وعند قلائل من الناس ، وهم حريصون على كتمانه والاحتفاظ به وعدم إظهاره ككنز ثمين وعلق نفيس . ويحتوي على تاريخ ملوك حمير وأنسابها ومحافدها . . ظللت مع والدي في تلك اللحظات الممتعة ردحا من الزمن ، وكأنها الفردوس المفقود حينما تعود إليّ الذكريات . حتى إذا شارفت الخامسة عشرة انعكفت على دراسة كتب النحو والفقه والديانات وأصول الفقه وعلوم القراءات وتجويد القرآن بوازع من تلقاء نفسي وبوحي من ضميري . لأن والدي رضوان اللّه عليه كان كثيرا ما يلقنني أن العلم خير مكتسب ، وأنه طريق أسلافي وأجدادي الذين لا يعرفون إلا بالعلم لا سوى . وطالما كان يردد عليّ قول الشاعر : إذا بلغ الفتى عشرين عاما * ولم يحز الفخار فلا فخار وكان ينشد هذا البيت بنغمة مطربة حادة يترنم بها ويقف عند كلماته كالمحفز والمثير . وكان حديث والدي في التاريخ والأنساب وذكر « الإكليل » فقد ترك أثرا بعيدا ملأ ما بين جوانحي وأثر في معارفي وزادني شغفا به وطبعني بطابع خاص ، ولكن ولات حين مناص . والمجتمع الطبقي والبيئة كالوراثة لها أثرها الكبير ، توحي إلى أن علم الفقه والقوانين الشرعية هي وحدها مورد الرزق للإنسان الطبقي الذي يصنع القاضي الشرعي والمفتي والعالم والوزير والمحامي « الوكيل » وأن معيشته بدون أن يتحلى بهذا العلم ، في ظلال النوكي أو في عداد الرعاع والعاطلين ، ولو أوتي فصاحة قس ، وعارضة أبي العيناء ، وخطّ ابن مقلة . كانت هذه العوامل تهصرني نحو هذا الفن هصرا شديدا يختفي معها كل علم وتضيع معها كل محاولة ، ويجعلني أتخلى عن سائر العلوم إلا هذا العلم ، والمورد العذب كثير الزحام . وضرب الدهر ضرباته فعين والدي مدرسا وعاملا لأوقاف الغيشي بمدينة « إبّ » فانتقلت معه إلى هنالك ، ومكث برهة وعاد أدراجه وقمت بعمله ، وأديت رسالة التدريس بأمانة وإخلاص ، حتى أثمرت وآتت أكلها . وكان في المدينة المذكورة أميران عظيمان كريمان أحدهما حامل لواء المجد والمروءة ، وحاتم طيّ الزمن الأخير ندى وسماحة ، وابن أروى جودا وكرما ، ألا وهو إسماعيل بن محمد بن عبد اللّه باسلامة الحضرمي الكندي ، وكان يشغل منصب عمالة قضاء إب . . والثاني حامل لواء الأدب والعرفان أحد عجائب اليمن ، ومحاسن الزمن لسان الشرع الشريف رب العوارف والمعارف الوالد يحيى بن محمد بن عبد اللّه الأرياني اليحصبي رحمهما اللّه ، ودام ديمة مغفرته عليهما . فالأول غمرني بكرمه وجوده ، وأصفاني خالص عطفه وحنانه وخلطني بأولاده وأفلاذ كبده . والثاني شملني برعايته ، وأترع عليّ كأس عرفانه ، وغذّاني بمعين آدابه وفيض معارفه ، وآنسني بلطفه وعطفه ، وأرشدني إلى حفظ الشعر ومقطوعاته . وقد كان رجل الدنيا وواحدها